عبد الملك الجويني
58
الشامل في أصول الدين
وقد زلّ بعض من لم يحصل فقال : الجوهر في حال عدمه يختص بجهة من غير كون ، ثم تثبت الأكوان بعد الحالة الأولى ، وإنما افتقر الجوهر في حال حدوثه إلى كون ولم يفتقر إلى قصد بخلاف العرض ، فإن الجوهر يجوز بقاؤه وتقوم به المعاني ، والعرض يستحيل بقاؤه فافتقر إلى قصد . ويستحيل قيام المعاني « به » فافتقر إلى كون . وإنما زلّ في هذا السؤال من قول المتكلم أن الجوهر في الحالة الأولى ليس بمتحرك ولا ساكن ، وسنبسط القول في ذلك في الأكوان إن شاء اللّه عز وجل . فإن قيل : إذا أعدم اللّه جوهرا عندكم ، ثم أعاده ، فقد ثبت له وصف لم يكن ، فليكن ذلك لمعنى . قلنا : ذهب بعض المتكلمين إلى أن المعاد معاد لمعنى ، وهؤلاء منعوا إعادة الأعراض من حيث استحال قيام المعنى بها . والطريقة المرضية أن الإعادة ليست لمعنى لزائد على ذات المعادات ، إذ المعاد هو الذي أبدى أولا بعينه ، لم تتحول صفته ، وتقدم العدم له لا يقتضي له صفة ، فإن العدم نفي محض لا اقتضاء له ، ولكنه لما أعيد سمي مقادا . ولا معول في الحقائق على الألقاب ، وإنما المقصد المعاني ، والإعادة ابتداء خلق كالفطرة الأولى . والذي يوضح ذلك : أن من رأى جوهرا ، ثم غفل عنه فعدم ، وأعيد في الحالة الثانية ، فرآه الذي رآه أولا ، فيقطع بأنه هو ولا يدرك تفرقة . وليس كما لو رآه أسودا ثم رآه أبيض . فإن قيل : فاجعلوا القدم معنى ، فإنه لا يثبت للحادث أو لا بل يثبت بعد زمان متطاول ، كما أن وصف البقاء يثبت في الحالة الثانية . قلنا : سنوضح القول في ذلك عند كلامنا في البقاء والباقي . فصل [ الرد على سائر المعترضين ] اعلموا أرشدكم اللّه أن هذه الدلالة لا تستقيم على أصول المعتزلة . وقد قال أبو هاشم : لا دليل على إثبات الأعراض سواها . ونحن الآن نوضح أن الدلالة لا تستمر لهم ، ويصدهم عن التمسك بها معتقداتهم الفاسدة . وبعض ما نذكره من النواقض يختص بأبي هاشم ، وبعضه يعم معظمهم ، وبعضه يتناول جميعهم . فأما الذي يختص أبا هاشم به فمنه أنه نفي العجز ، ولم يثبته معنى ، وزعم أن العجز